السيد محمد الصدر
345
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أن ينتقل في يومٍ مّا إلى الجنّة أو النار ، فهي حياةٌ مؤقّتةٌ ، و ( قدّمت لحياتي ) المقصود بها الحياة الدائمة الثابتة المستقرّة ، فرجع المعنى إلى الحياة الحقيقيّة . ويأتي سؤالٌ هنا حاصله : هل إنَّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة ؟ ذهب السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) إلى أنَّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة « 1 » ، وأمّا أنا فلا أقول بذلك ؛ فنحن نفينا أن تكون الدنيا حياةً حقيقيّةً ، كما أنَّ حياة البرزخ ليست حياةً حقيقيّةً ؛ لأنَّه ينتقل منه إلى القيامة . والقيامة أيضاً ليست حقيقيّةً ، وجملةٌ من درجات الجنّة ليست بحقيقيّةٍ ، وإنَّما الحياة الحقيقيّة هي الجنان العليا التي لا نقص فيها ولا ظلام . أمّا المتشرّعة فيعتبرون أنَّ كلّ ما ليس من الدنيا فهو آخرة ، أو كلّما هو روحاني فهو آخرة ، فإذا قصدنا بالآخرة هذا المعنى العامّ فليست هي الحياة الحقيقيّة ، بل ما بعد الآخرة هي الحياة الحقيقيّة ، فيكون كلا الوجهين الذين طرحهما السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) « 2 » في قوله : يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي غير تامّين ؛ وذلك لأنَّ الاحتمال الأوّل كان يفترض أنَّ المقصود بالحياة هي الحياة التي عليها الإنسان في ذلك الحين ، أي : في عرصة يوم القيامة ، وهذا مدفوعٌ ؛ لأنَّ الإنسان حينئذٍ واصلٌ إلى تلك الحياة وموجودٌ فيها ، ووجد السبب في تلك الحياة والمسبّب ، فلا معنى لقوله : يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي . وعلى الاحتمال الثاني الذي كان يفترض أنَّ المقصود بالحياة الحياة الحقيقيّة ، وهي الآخرة ، أو قل : مطلق الآخرة حسب فهم الطباطبائي ( قدس سره ) والمتشرّعة ، فإنَّ الأمر كذلك ، فهو حينئذٍ في الآخرة ، وقد حصلت العلّة والمعلول ، وهو كونه في الآخرة ، فهو في الحياة الحقيقيّة ، فلماذا
--> ( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 284 : 20 - 285 ، تفسير سورة الفجر . ( 2 ) أُنظر المصدر السابق .